علي بن أحمد المهائمي
154
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
ولم تقدر على الانتقال من التفرقة ؛ لغلبة الحجب النفسانية ، وجودا بها عليها ، ( فزادهم فرارا ) لما لم يجدوا المعشوق الروحاني الذي كانت أرواحهم مقيمين فيه فصعب عليهم ترك معشوق نفوسهم الأمارة من اللذات السفلية ، فزادوا نزولا إلى أسفل سافلين . [ ثمّ قال عن نفسه : إنّه دعاهم ليغفر لهم لا ليكشف لهم ، وفهموا ذلك منه صلّى اللّه عليه وسلّم لذلك جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ [ نوح : 7 ] ، وهذه كلّها صورة السّتر الّتي دعاهم إليها فأجابوا دعوته بالفعل لا بلبّيك ، ففي : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] إثبات المثل ونفيه ] . ثم أشار إلى أنه كان لأرواحهم منفر آخر وراء الفرقان المذكور ، فقال : ( ثم قال عن نفسه : إنه دعاهم ليغفر لهم ) أي : ليستر عنهم المظاهر السفلية التي عشقوها لا من حيث هي مظاهر بل من حيث هي مفيدة لنفوسهم من اللذات السفلية الشاغلة عن اللذات العلوية ، ( لا ليكشف لهم ) عما فيها من أسرار الظهور الإلهي التي نزلت أرواحهم في أبدانهم ؛ لكشفها لكن غفلوا عن جهة المظهرية فجعلوها مقاصد بالذات فأمرهم ؛ ليطلبوا الستر عنها ليكشف لهم عن الذات الإلهية ، لا في هذه المظاهر لما رآها شاغلة لهم عنها بالكلية ، ( وفهموا ) أي : أرواحهم وإن لم تشعر بها قلوبهم ونفوسهم ( منه ذلك صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لذلك جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ، فهذه كلها صورة الستر التي دعاهم إليها فأجابوا دعوته بالفعل ) أي : بفعل الستر لا بالطريق الذي أمرهم به ، وهو الرياضة والاشتغال بحيث يسترهم ذلك عن المحسوسات ، وهؤلاء اقتصروا على ظاهر الستر في غير الصورة المطلوبة عنادا منهم عند عدم رؤية الجمعية في الظاهر ( لا بلبيك ) ، وهي الإجابة في الصورة المطلوبة بالطريق المأمور به . فبهذا ظهر الفرق بين الدعوة النوحية الفرقانية ، والدعوة المحمدية القرآنية ( ففي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ) ، الذي هو دعوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ( إثبات المثل ) بدلالة المطابقة ، ( ونفيه ) بدلالة الالتزام ، وإثبات المثل دليل الظهور ونفيه دليل البطون فجمع بينهما كما جمع بين التنزيه والتشبيه . [ ولهذا قال عن نفسه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّه أوتي جوامع الكلم فما دعا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم قومه ليلا ونهارا بل دعاهم ليلا في نهار ، ونهارا في ليل ، فقال نوح في حكمته لقومه : يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ، وهي المعارف العقليّة في المعاني والنّظر الاعتباري ، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ [ نوح : 11 ، 12 ] ، أي : بما يميل بكم إليه فإذا مال بكم إليه رأيتم صورتكم فيه ، فمن تخيّل منكم أنّه رآه فما عرف ، ومن عرف منكم أنّه رأى نفسه ، فهو العارف